نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أباطرة الدم.. لماذا اختارت جماعة الإخوان الإرهابية العنف؟, اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026 12:29 مساءً
منذ تأسيسها عام 1928، قدمت جماعة الإخوان نفسها باعتبارها حركة دعوية واجتماعية تسعى إلى الإصلاح، إلا أن مسارها التاريخي يكشف أن علاقتها بالعنف لم تكن مجرد محطات استثنائية فرضتها الظروف، بل خيارًا ظل حاضرًا داخل بنيتها التنظيمية، يظهر كلما تعثرت فرصها في تحقيق أهدافها عبر الأدوات السياسية التقليدية.
فكلما ضاق المجال أمام التنظيم أو فقد موقعه في السلطة، عادت أدبيات الصدام إلى الواجهة، سواء عبر التحريض، أو إنشاء الأذرع السرية، أو دعم كيانات تتبنى العنف بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولا يمكن فهم هذا المسار بوصفه رد فعل آنيًا على أحداث بعينها، وإنما باعتباره انعكاسًا لطبيعة تنظيم مغلق يقوم على السمع والطاعة والبيعة، ويرى أن مشروعه يتجاوز حدود المنافسة السياسية التقليدية؛ ولذلك، فإن فقدان السلطة لا يُنظر إليه داخل الجماعة باعتباره نتيجة طبيعية لتداول السلطة، وإنما باعتباره تهديدًا وجوديًا يستدعي البحث عن وسائل جديدة لاستعادة النفوذ، حتى وإن كانت على حساب استقرار الدولة والمجتمع.
وتكشف التجربة التاريخية أن الجماعة لم تتعامل مع السياسة باعتبارها مساحة للتنافس الديمقراطي، وإنما كوسيلة لتحقيق مشروع التنظيم. فإذا نجحت الانتخابات أو التحالفات السياسية في إيصالها إلى السلطة، استمرت في هذا المسار، أما إذا فشلت تلك الوسائل، عاد خيار التصعيد إلى الواجهة، ومن هنا، لم يكن العنف بالنسبة إليها هدفًا في ذاته، بل أداة ضغط لإعادة تشكيل المشهد السياسي ورفع كلفة استبعادها من السلطة.
ويعود هذا المنطق إلى سنوات مبكرة من تاريخ الجماعة، حين جرى تأسيس ما عُرف بـ«الجهاز الخاص» في نهاية الثلاثينيات، وهو تنظيم سري تولى تنفيذ عمليات اغتيال وتفجير استهدفت شخصيات ومؤسسات داخل الدولة المصرية.
وشهدت تلك المرحلة اغتيال المستشار أحمد الخازندار عام 1948، ثم رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في العام نفسه، وهي وقائع رسخت للمرة الأولى فكرة الجمع بين العمل السياسي والتنظيم السري داخل بنية الجماعة.
ورغم ما تعرضت له الجماعة من تفكيك بعد تلك الأحداث، فإن المراجعات الفكرية لم تصل إلى حد القطع الكامل مع هذا الإرث، بل بقيت فكرة التنظيم الموازي والعمل السري حاضرة داخل بنيتها، لتعود إلى الظهور بأشكال مختلفة في مراحل لاحقة، خاصة خلال فترات الصدام مع الدولة.
وفي الخمسينيات، دخلت الجماعة في مواجهة جديدة مع الدولة المصرية عقب ثورة يوليو، ثم جاءت محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر عام 1954 لتؤكد استمرار منطق الصدام.
ورغم الضربات الأمنية التي تلقتها الجماعة - آنذاك - فإنها لم تُنتج مراجعة فكرية حقيقية لمسألة العنف، بل أعادت إنتاج خطاب يقوم على فكرة "الابتلاء" و"الاضطهاد"، مع الاحتفاظ بخيار المواجهة باعتباره وسيلة يمكن اللجوء إليها عندما تتغير الظروف.
ومع عودة الجماعة إلى النشاط العام في سبعينيات القرن الماضي، شاركت في الانتخابات والنقابات المهنية والعمل المجتمعي، إلا أن هذه المشاركة لم تكن مصحوبة بإعادة تعريف علاقتها بالدولة الوطنية أو مراجعة بنيتها التنظيمية المغلقة، فقد احتفظت الجماعة بتنظيمها الداخلي وآليات التعبئة العقائدية، وهو ما جعلها قادرة على العودة سريعًا إلى منطق الصدام عندما فقدت السلطة.
وشكلت أحداث يونيو 2013 اختبارًا حقيقيًا لهذا الإرث التنظيمي. فبدلًا من الاعتراف بالتحولات السياسية أو الانخراط في مراجعات فكرية وسياسية، اتجهت الجماعة إلى إعادة تشغيل أدواتها التقليدية، ولكن بصيغة أكثر تطورًا ومرونة، فلم يعد هناك تنظيم مركزي معلن يقود عمليات العنف، بل برز نموذج يعتمد على مجموعات صغيرة تعمل بصورة لا مركزية، مع توظيف واسع لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية الخارجية في إدارة الخطاب السياسي، وتوفير غطاء إعلامي يسمح بإنكار أي صلة تنظيمية مباشرة بالعمليات المنفذة.
وفي تلك المرحلة ظهرت كيانات مثل «حسم» و«لواء الثورة»، التي تبنت عمليات استهدفت رجال الشرطة والقضاء وعددًا من المنشآت، بينما حرصت الجماعة على الفصل إعلاميًا بينها وبين هذه التنظيمات، رغم ما كشفت عنه التحقيقات والأحكام القضائية من روابط تنظيمية وفكرية بين الطرفين.
وقد عكس هذا الأسلوب تطورًا في إدارة الصدام، إذ انتقلت الجماعة من الاعتماد على البنية التنظيمية الصلبة إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على الشبكات والخلايا المحدودة، بما يصعب عملية الاختراق الأمني ويمنحها مساحة أوسع للمناورة والإنكار.
ولم يكن الهدف من هذا النهج الدخول في مواجهة عسكرية شاملة مع الدولة، إذ تدرك الجماعة الفارق الكبير في موازين القوة بينها وبين مؤسسات الدولة، وإنما اعتمدت على ما يمكن وصفه باستراتيجية "الإنهاك". وتقوم هذه الاستراتيجية على تنفيذ عمليات متفرقة ومنخفضة الكثافة تهدف إلى إطالة أمد التوتر الأمني، ورفع كلفة الحفاظ على الاستقرار، واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية، دون الدخول في مواجهة مباشرة يصعب عليها حسمها.
ولهذا ركزت على عمليات ذات طابع رمزي تستهدف شخصيات أو مواقع بعينها، بما يحقق تأثيرًا سياسيًا وإعلاميًا يتجاوز حجمها العسكري، كما ارتبط توقيت كثير من هذه العمليات بمحطات سياسية أو قضائية، في محاولة للتأثير في المشهد العام وإبقاء حالة التوتر قائمة لأطول فترة ممكنة.
ويرتبط هذا السلوك أيضًا بالطريقة التي تنظر بها الجماعة إلى مفهوم الشرعية. ففي أدبياتها، لا تُبنى الشرعية على المؤسسات الدستورية أو الإرادة الشعبية أو تداول السلطة، وإنما ترتبط بوجود التنظيم نفسه في موقع الحكم، وعندما يفقد هذا الموقع، يعاد تقديم الدولة باعتبارها فاقدة للشرعية، بما يسمح بإعادة توصيف الصراع على أنه مواجهة مع "سلطة مغتصبة" لا مع دولة وطنية ومؤسساتها، ومن هذا المنطلق، يصبح العنف داخل الإطار الفكري للجماعة قابلًا للتبرير باعتباره "مقاومة"، وليس خروجًا على القانون أو اعتداءً على مؤسسات الدولة.
وينعكس هذا التصور على نظرة الجماعة إلى مؤسسات الدولة، إذ لا تُقدَّم باعتبارها مؤسسات وطنية مستقلة، وإنما باعتبارها أدوات في يد الخصم السياسي، وهو ما يسهّل التحريض ضدها ونزع الشرعية عنها أمام قواعد التنظيم، ويخلق بيئة فكرية تسمح بتبرير استهدافها أو التقليل من خطورة الاعتداء عليها.
كما لعب الإعلام دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ اعتمدت الجماعة خلال السنوات الأخيرة على شبكة واسعة من المنصات الرقمية واللجان الإلكترونية لإدارة حملات منظمة تهدف إلى التأثير في الرأي العام، عبر نشر روايات أحادية، وإعادة تدوير مقاطع مجتزأة، وتوظيف الأحداث الإقليمية لإحياء خطاب المظلومية والتحريض، بما يحافظ على حضور التنظيم داخل المجال العام حتى في ظل تراجعه تنظيميًا.
وتؤكد التجربة الممتدة للجماعة أن العنف لم يكن خيارًا اضطراريًا فرضته الظروف، وإنما أحد الأدوات التي يجري استدعاؤها كلما تعثرت فرص التنظيم في تحقيق أهدافه عبر المسارات السياسية، ومع تغير الوسائل والأدوات عبر العقود، بقي المنطق نفسه حاضرًا؛ وهو اعتبار الصراع مع الدولة وسيلة للحفاظ على التنظيم واستعادة النفوذ أكثر من كونه خلافًا سياسيًا يمكن حسمه عبر المؤسسات أو صناديق الاقتراع.
ومن ثم، فإن فهم هذا المسار يتطلب قراءة الجماعة من زاوية بنيتها الفكرية والتنظيمية، لا من خلال الأحداث المتفرقة فقط، لأن تكرار أنماط الصدام عبر مراحل تاريخية مختلفة يؤكد أن الأزمة تتجاوز الظرف السياسي، وتمتد إلى طبيعة المشروع الذي يحكم سلوك التنظيم ذاته.


















0 تعليق