مع تحول الطائرات المسيرة إلى أحد أبرز التهديدات في ساحات القتال الحديثة، يتسارع السباق العسكري لتطوير وسائل دفاع قادرة على إسقاطها بسرعة وبتكلفة أقل من الصواريخ التقليدية. وفي مقدمة هذه التقنيات تأتي أسلحة الطاقة الموجهة، وعلى رأسها الليزر عالي الطاقة، الذي تسعى الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والصين ودول أخرى إلى تطويره وتحويله من تقنية تجريبية إلى سلاح قادر على أداء مهام دفاعية فعلية.
وتستند جاذبية الليزر بصورة أساسية إلى معادلة اقتصادية مختلفة، فتكلفة إطلاق الشعاع في بعض المنظومات لا تتجاوز بضعة دولارات، بينما يمكن أن تصل تكلفة الصواريخ الاعتراضية المستخدمة ضد الطائرات المسيرة إلى مئات الآلاف أو ملايين الدولارات، بحسب نوع الصاروخ والمنظومة المستخدمة.
استثمارات أمريكية لتطوير أسلحة الليزر
في أحدث تحركاتها بهذا المجال، يعتزم الجيش الأمريكي تخصيص نحو 400 مليون دولار لتطوير قدرات ليزر عالية الطاقة مخصصة لمواجهة الطائرات المسيرة، في إطار جهود تهدف إلى نقل أسلحة الطاقة الموجهة من مرحلة الاختبارات إلى قدرات يمكن استخدامها ميدانيًا.
وتتزامن هذه الخطوة مع تكثيف الاختبارات الأمريكية على منظومات الليزر المضادة للمسيرات. ففي مايو 2026، اختبر الجيش الأمريكي منظومة «إيه إم بي-هيل»، وهي منظومة ليزر عالي الطاقة مثبتة على مركبة تكتيكية، خلال تجربة ميدانية تضمنت الاشتباك مع طائرة مسيرة.
كما يواصل الجيش تطوير برنامج «الليزر عالي الطاقة المستدام»، الذي يستهدف توفير قدرة ليزرية يمكن دمجها في وحدات الدفاع الجوي، مع التركيز على تطوير منظومة متحركة ومنخفضة التكلفة نسبيًا لمواجهة التهديدات الجوية قصيرة المدى.
ويعكس هذا التوجه تغيرًا في أولويات الدفاع الجوي الأمريكي، بعدما أدى انتشار المسيرات منخفضة التكلفة إلى زيادة الحاجة إلى وسائل اعتراض لا تستنزف مخزونات الصواريخ باهظة الثمن عند التعامل مع أهداف رخيصة نسبيًا.
بريطانيا تختبر «دراغون فاير»
ولا تقتصر المنافسة على الولايات المتحدة، إذ طورت بريطانيا منظومة «دراغون فاير» الليزرية، وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن تكلفة تشغيلها يمكن أن تقل عن 13 دولارًا للطلقة، أو نحو 10 جنيهات إسترلينية.
وتكمن أهمية هذه التكلفة في المقارنة مع صواريخ الدفاع الجوي التقليدية، التي قد تصل تكلفة الواحد منها إلى مئات الآلاف من الجنيهات.
وأعلنت بريطانيا نجاح اختبارات المنظومة في إسقاط طائرات مسيرة عالية السرعة، كما وقعت عقدًا تبلغ قيمته نحو 423 مليون دولار، بما يعادل 316 مليون جنيه إسترليني، لإدخال «دراغون فاير» إلى الخدمة على متن سفن ومدمرات تابعة للبحرية الملكية اعتبارًا من عام 2027.
«القبة الحديدية» تحصل على طبقة إضافية
وفي إسرائيل، تسلم الجيش الإسرائيلي في ديسمبر 2025 أول منظومة تشغيلية من «آيرون بيم»، بعد سلسلة من الاختبارات التي شملت اعتراض طائرات مسيرة وصواريخ وقذائف هاون.
ومن المقرر أن تعمل المنظومة كطبقة إضافية ضمن شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية إلى جانب منظومات أخرى، بينها «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» ومنظومة «السهم».
وتعكس هذه الخطوة توجهًا نحو استخدام الليزر إلى جانب وسائل الاعتراض التقليدية، بدلًا من الاعتماد على تقنية واحدة في مواجهة مجموعة متنوعة من التهديدات الجوية.
الصين تطور منظومات أصغر
دخلت الصين كذلك سباق أسلحة الليزر المضادة للمسيرات، وظهرت نماذج أصغر وأكثر قابلية للحمل، من بينها منظومات بقدرة تصل إلى 2 كيلوواط طورتها شركات صينية، مع أنظمة استهداف تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشير انتشار هذه المشاريع في أكثر من دولة إلى أن أسلحة الطاقة الموجهة لم تعد حكرًا على برنامج عسكري واحد، بل أصبحت جزءًا من اتجاه أوسع في تطوير وسائل الدفاع الجوي، خصوصًا لمواجهة الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة.
كيف يعمل الليزر على إسقاط المسيرة؟
على خلاف الصاروخ أو القذيفة، لا يعتمد سلاح الليزر على إطلاق جسم مادي نحو الهدف، وإنما يوجه شعاعًا مركزًا من الطاقة إلى نقطة محددة في الطائرة المسيرة.
ويستمر الشعاع في التركيز على المنطقة المستهدفة لفترة زمنية كافية لرفع درجة حرارتها وإتلاف أحد مكونات الطائرة، مثل المحرك أو أنظمة التحكم أو أجزاء أساسية من الهيكل، ما يؤدي في النهاية إلى فقدان المسيرة قدرتها على الطيران.
وتتمثل إحدى أبرز مزايا الليزر في سرعته، إذ ينتقل الشعاع بسرعة الضوء، كما لا تحتاج المنظومة إلى إطلاق ذخيرة اعتراضية جديدة مع كل عملية اشتباك، وإنما تعتمد بصورة أساسية على توفر الطاقة اللازمة لتشغيلها.
معادلة اقتصادية مختلفة
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد ناجي ملاعب أن الاهتمام المتزايد بأسلحة الليزر يرتبط بصورة أساسية بالتغير الكبير في طبيعة التهديد الذي تفرضه الطائرات المسيرة.
وأوضح ملاعب أن الجيوش لم تعد تواجه مسيرات منفردة فقط، وإنما أصبحت أمام أعداد كبيرة من الطائرات منخفضة التكلفة، الأمر الذي يجعل استخدام صواريخ باهظة الثمن ضدها تحديًا اقتصاديًا وعسكريًا.
وأشار إلى أن التجارب أثبتت قدرة الليزر على التعامل مع المسيرات، خصوصًا من ناحية التكلفة، إذ يمكن أن تصل تكلفة استخدام الشعاع في بعض المنظومات إلى بضعة دولارات أو جنيهات فقط، مقابل صاروخ اعتراضي قد تصل تكلفته إلى مئات الآلاف أو ملايين الدولارات.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل على هذه التكنولوجيا منذ عقود، لكنها لم تعد حكرًا على دولة واحدة، إذ توجد برامج ومنظومات مماثلة في بريطانيا وإسرائيل والصين وألمانيا ودول أخرى، وأصبحت أسلحة الليزر حاضرة في المعارض الدفاعية وخطط تطوير منظومات الدفاع الجوي.
ويرتبط التطور الحالي، بحسب ملاعب، بزيادة قدرات مصادر الطاقة وتحسن أنظمة التوجيه والتبريد، وهو ما جعل منظومات الليزر أكثر قابلية للاستخدام في التطبيقات العسكرية.
لماذا لا يمكن لليزر الاستغناء عن الصواريخ؟
رغم التطور الكبير في هذه التكنولوجيا، فإن الليزر لا يمثل حتى الآن بديلًا شاملًا للصواريخ والمدافع أو وسائل الحرب الإلكترونية.
فمنظومات الليزر تحتاج إلى خط رؤية مباشر مع الهدف، كما أن الشعاع يسير في خط مستقيم، وهو ما يجعل فعاليته مرتبطة بالمسافة والظروف المحيطة.
وتؤثر عوامل جوية مثل الغبار والرمال والدخان والضباب والرطوبة والأمطار في أداء الشعاع، وهو تحدٍ يكتسب أهمية خاصة عند استخدام المنظومات في البيئات الصحراوية أو المناطق التي تشهد ظروفًا جوية قاسية.
كما تحتاج المنظومة إلى إبقاء الشعاع مركزًا على نقطة محددة من الهدف لفترة كافية لإحداث الضرر، وهو أمر يصبح أكثر صعوبة عندما تكون المسيرة سريعة أو قادرة على المناورة بصورة حادة.
معضلة أسراب المسيرات
يمثل التعامل مع أسراب الطائرات المسيرة أحد أبرز التحديات أمام الليزر، إذ إن المنظومات التقليدية لا تستطيع عادةً تدمير عدد كبير من الأهداف في اللحظة نفسها.
ولهذا السبب، يتجه التطوير العسكري إلى دمج الليزر مع منظومة دفاعية متعددة الطبقات تضم الرادارات وأجهزة الاستشعار والحرب الإلكترونية والمدافع والصواريخ، بحيث تتولى كل وسيلة نوعًا محددًا من التهديدات وفق مدى الاشتباك وطبيعة الهدف.
كما تحتاج منظومات الليزر عالية الطاقة إلى كميات كبيرة من الكهرباء وأنظمة تبريد متطورة، وهي تحديات تصبح أكثر تعقيدًا في البيئات شديدة الحرارة، ومنها مناطق الشرق الأوسط.
وبذلك، يبدو أن مستقبل الليزر في مواجهة المسيرات لا يقوم على استبدال الصواريخ بصورة كاملة، وإنما على توفير طبقة دفاعية إضافية منخفضة التكلفة، يمكنها التعامل مع عدد كبير من التهديدات الرخيصة، وتقليل استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية في الحروب التي تعتمد بصورة متزايدة على أسراب الطائرات المسيرة.
للمزيد تابع
خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار الرياضية فى هذا المقال : الطلقة بـ13 دولارًا.. لماذا تراهن الجيوش على الليزر لإسقاط أسراب المسيّرات؟, اليوم السبت 8 أغسطس 2026 09:38 مساءً
















0 تعليق