شحنة بـ500 مليون دولار تصل العراق.. هل تنجح في دعم الدينار وتأمين الرواتب؟

0 تعليق ارسل طباعة

وصلت شحنة جديدة من الدولار النقدي بقيمة 500 مليون دولار من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى البنك المركزي العراقي، في خطوة تستهدف دعم السيولة الأجنبية وتلبية احتياجات السوق والقطاع المصرفي، وسط تساؤلات حول مدى انعكاسها على سعر صرف الدينار وقدرتها على تخفيف الضغوط المالية التي تواجهها البلاد.

وتأتي الشحنة ضمن آلية تزويد العراق بالدولار النقدي، على أن تُستخدم الأموال في المعاملات المالية التي يوافق عليها البنك المركزي وفق الضوابط المعتمدة.

ويرى خبراء أن وصول هذه الدفعة يمثل عامل دعم لاستقرار سوق الصرف، ويحد من مخاطر حدوث نقص في العملة الأجنبية، لكنه في المقابل لا يمثل حلًا جذريًا للأزمة المالية العراقية، التي ترتبط بعوامل هيكلية، أبرزها الاعتماد الكبير على النفط، وضعف الإيرادات غير النفطية، وارتفاع الإنفاق الحكومي.

هل تدعم الشحنة استقرار الدينار؟

يقول الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد المالي في الجامعة المستنصرية، مصطفى عبد الحسين، إن استمرار تدفق الدولار النقدي إلى العراق يمنح البنك المركزي قدرة أكبر على تلبية الطلب المشروع على العملة الأجنبية، خصوصًا لتمويل التجارة والاستيرادات.

وأوضح أن توقف هذه الشحنات أو تراجع تدفقات الدولار يمكن أن يفرض ضغوطًا مباشرة على سوق الصرف، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الواردات.

لكن تأثير الشحنة الجديدة على سعر صرف الدينار، بحسب عبد الحسين، قد يكون محدودًا ومؤقتًا ما لم يترافق مع إصلاحات اقتصادية ومالية، لأن التحدي لا يرتبط فقط بتوفير الدولار، وإنما أيضًا بإدارة الطلب عليه، والحد من تهريبه، وضمان وصوله إلى القنوات الرسمية.

ويؤكد أن استقرار سعر الصرف يتطلب تحقيق توازن بين الإيرادات النفطية الداخلة إلى البلاد وحجم الطلب على الدولار، بالتوازي مع إصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الثقة بالنظام المالي.

ماذا تستفيد السوق العراقية من الـ500 مليون دولار؟

تتمثل أبرز الفوائد المباشرة للشحنة في تعزيز قدرة البنك المركزي على تلبية احتياجات المصارف والشركات المستوردة، وتوفير الدولار الرسمي لتمويل التجارة الخارجية، بما قد يقلل الاعتماد على السوق الموازية.

كما أن زيادة المعروض من العملة الأجنبية يمكن أن تخفف الضغوط على سعر الصرف، وتحد من احتمالات ارتفاع أسعار السلع المستوردة، فضلًا عن إرسال رسالة طمأنة إلى القطاع المصرفي والمواطنين بشأن قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية.

إلا أن هذه المكاسب تظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على معالجة جذور الأزمة، وعدم الاكتفاء بضخ السيولة كحل مؤقت.

هل تكفي شحنات الدولار لإنقاذ المالية العامة؟

يرى الخبير المالي ضياء المحسن أن اختزال الأزمة العراقية في توفير الدولار أو تأمين رواتب الموظفين يمثل معالجة للنتائج وليس للأسباب.

ويشير إلى أن جوهر المشكلة يتمثل في اعتماد العراق على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، إلى جانب ضعف القطاعات الإنتاجية وغياب التنويع الاقتصادي بصورة كافية.

ويؤكد أن الحل المستدام يحتاج إلى دعم القطاع الخاص، وتطوير الصناعة والزراعة، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وإصلاح النظام المصرفي، وتقليل الاعتماد على الاقتراض.

ويضيف أن الدولار النقدي يمكن أن يمنح الاقتصاد فترة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، لكنه لن يكون قادرًا بمفرده على سد فجوة مالية ناتجة عن ارتفاع الإنفاق الحكومي وتراجع الإيرادات النفطية.

رواتب الموظفين.. هل هي مهددة؟

أكدت اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي أن رواتب عام 2026 مؤمنة، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وزيادة الإيرادات.

وتشير عضو اللجنة المالية، فاطمة القيسي، إلى أن الدولة تحتاج شهريًا إلى نحو 10.8 تريليون دينار لتغطية الرواتب والنفقات العامة، في وقت تراجعت فيه الإيرادات النفطية إلى مستويات لا تكفي لتغطية جميع الاحتياجات.

وتؤكد أن انتظام صرف الرواتب يمثل أولوية، لكن الحفاظ عليه على المدى الطويل يتطلب ترشيد الإنفاق، وتحسين الإيرادات، وتنويع مصادر الدخل.

خطة لسحب مليارات الدولارات من الاحتياطي

وفي سياق متصل، أفاد قيادي في الإطار التنسيقي الشيعي بأن الإطار منح موافقة مبدئية لرئيس الوزراء علي الزيدي لسحب نحو 5 مليارات دولار شهريًا من احتياطيات البنك المركزي، بهدف تأمين رواتب الموظفين إلى حين انحسار أزمة مضيق هرمز وعودة صادرات النفط إلى مستوياتها الطبيعية.

وبحسب المصدر، فإن هذه الآلية، في حال اعتمادها، قد توفر السيولة اللازمة لتغطية الرواتب والالتزامات المالية لفترة تتجاوز 6 أشهر، بما يقلل مخاطر تعثر الدولة في الوفاء بالتزاماتها خلال المرحلة الراهنة.

خفض قيمة الدينار.. حل أم «ضريبة تضخمية»؟

في ظل الضغوط المالية، يبرز خيار تعديل سعر صرف الدينار أو اللجوء إلى زيادة المعروض النقدي كأحد البدائل المطروحة، إلا أن خبراء يحذرون من التداعيات المباشرة لهذه الخطوة على المواطنين.

ويصف مصدر مقرب من الفريق الاقتصادي في حكومة علي الزيدي خفض قيمة الدينار بأنه بمثابة «ضريبة تضخمية»، نظرًا إلى أنه يرفع تكلفة السلع المستوردة ويقلص القوة الشرائية للمواطنين.

ورغم أن خفض قيمة العملة قد يوفر للحكومة إيرادات إضافية بالدينار، فإن تكلفته الاجتماعية قد تكون مرتفعة، خصوصًا مع اعتماد قطاع كبير من العراقيين على الرواتب الحكومية.

أما طباعة العملة، فيحذر خبراء من تداعياتها على التضخم وسعر صرف الدينار، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بإدارة الكتلة النقدية.

ويقترح مصطفى عبد الحسين بدائل أخرى، من بينها إصدار سندات نفطية وطنية لجذب السيولة الموجودة خارج الجهاز المصرفي وتحريكها داخل الاقتصاد، بدلًا من اللجوء إلى التمويل النقدي.

ماذا يحدث لاحتياطيات العراق؟

رغم استمرار احتياطيات البنك المركزي العراقي في توفير غطاء للعملة الوطنية، فإنها تعرضت لضغوط خلال الفترة الأخيرة مع تراجع تدفقات النقد الأجنبي.

وتشير تقديرات متباينة إلى انخفاض الاحتياطيات من مستويات تجاوزت 100 مليار دولار إلى مستويات أقل، فيما يؤكد خبراء أن استخدام الاحتياطيات لتمويل العجز التشغيلي بصورة مستمرة قد يضعف قدرة البنك المركزي على مواجهة الأزمات المستقبلية.

وبحسب بيانات وتقديرات أوردتها المصادر، تراوحت الاحتياطيات بين نحو 80 و95 مليار دولار، وسط تأكيدات على ضرورة الحفاظ عليها باعتبارها ضمانة لاستقرار الدينار وتمويل الاستيرادات، وليس مصدرًا مباشرًا لتمويل الإنفاق الحكومي.

النفط كلمة السر في الأزمة

تظل الإيرادات النفطية العامل الأكثر تأثيرًا في قدرة العراق على تمويل نفقاته، إذ تشير التقديرات الواردة إلى تراجع الصادرات النفطية إلى نحو 30 مليون برميل شهريًا، مقارنة بنحو 100 مليون برميل في الظروف الطبيعية.

كما يتراوح سعر بيع النفط العراقي حاليًا بين 53 و54 دولارًا للبرميل، وهو ما انعكس على حجم الإيرادات العامة.

وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الإيرادات النفطية وغير النفطية خلال الشهر الماضي تراوح بين 3 و3.5 تريليون دينار، مقابل احتياجات تقدر بنحو 5 تريليونات دينار لتغطية رواتب الموظفين فقط، وترتفع إلى نحو 7.25 تريليون دينار عند إضافة رواتب المتقاعدين ومستحقات شبكة الحماية الاجتماعية.

وبالتالي، تبدو شحنة الـ500 مليون دولار خطوة مهمة لتوفير السيولة ودعم استقرار سوق الصرف، لكنها لا تبدو كافية وحدها لمعالجة التحديات المالية التي يواجهها العراق، في ظل فجوة متزايدة بين الإيرادات والإنفاق واعتماد الاقتصاد على النفط.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تحويل هذه الإجراءات المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية تقلل الاعتماد على النفط، وتعزز الإيرادات غير النفطية، وتحافظ على احتياطيات البنك المركزي، بما يضمن استقرار الدينار والمالية العامة على المدى الطويل.

للمزيد تابع

خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك

قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار الرياضية فى هذا المقال : شحنة بـ500 مليون دولار تصل العراق.. هل تنجح في دعم الدينار وتأمين الرواتب؟, اليوم الجمعة 7 أغسطس 2026 04:59 مساءً

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق