الطابور الخامس

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الطابور الخامس, اليوم السبت 11 يوليو 2026 12:32 مساءً

كشفت الأحداث التي صاحبت مباريات كأس العالم، عندما ظهر الكابتن حسام حسن، مدرب المنتخب المصري، وهو يرفع العلم الفلسطيني، عن حالة من الجدل تجاوزت حدود الرياضة، وأعادت إلى الواجهة قضية شديدة الحساسية طالما حذرت منها، وهي تنامي الفكر الذي يتبنى الرواية الإسرائيلية ويدافع عنها داخل المجتمع المصري بصورة تستحق التوقف والتأمل.

لم يكن رفع علم فلسطين حدثًا سياسيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن موقف إنساني وأخلاقي يتضامن مع شعب يعيش ظروفًا بالغة القسوة وإبادةً يرتكبها العدو الإسرائيلي، الذي يقتل مئات الفلسطينيين كل يوم. ومع ذلك، فوجئنا بموجة من الانتقادات الحادة التي لم تكتفِ برفض هذا الموقف، بل ذهبت إلى مهاجمة كل من يعلن تضامنه مع القضية الفلسطينية، مستخدمة في كثير من الأحيان فكرًا يتفق مع الطرح الإسرائيلي في هذه القضية.

هذه الظاهرة، أو الطابور الخامس كما أحب أن أسميها، تثير تساؤلات مهمة حول تأثير الغزو الثقافي والفكري الذي تعرضت له مجتمعاتنا خلال العقود الماضية. فالحروب لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت تعتمد أيضًا على الإعلام، والمنصات الرقمية، وإعادة تشكيل الوعي، وصناعة قناعات جديدة لدى الأجيال المختلفة. ومن هنا، يصبح من الطبيعي أن تتسلل الأفكار والروايات الأجنبية المدفوعة إلى عقول البعض إذا غابت أدوات الوعي والنقد والتحليل الحقيقي.

الأمر الأكثر إثارة للقلق أن بعض الأصوات التي تتبنى هذه المواقف تُحسب على النخبة الثقافية أو الإعلامية، وهو ما يمنح تلك الأفكار مساحة أكبر للانتشار والتأثير، وبطبيعة الحال، لا يمكن تعميم هذا الأمر على جميع المثقفين، فالغالبية منهم تدرك أبعاد القضية الفلسطينية، وتتعامل معها باعتبارها قضية تاريخية وإنسانية مهمة تمس كل مصري، لكن وجود عدد من الأصوات التي تروج لخطاب يتفق مع الرواية الإسرائيلية يستحق الدراسة والمناقشة الجادة، ووضع الخطط لمواجهة هؤلاء المخربين.

ولا يتعلق الأمر باختلاف في الرأي أو تنوع في وجهات النظر، فذلك أمر طبيعي في أي مجتمع، وإنما يتعلق بكيفية تشكل الوعي العام، ومدى قدرة المجتمع على التمييز بين حرية التعبير وبين تبني روايات وأفكار تؤثر في الهوية الوطنية، وفي إدراك القضايا الإقليمية التي ترتبط بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.

إن مواجهة مثل هذا الأمر يجب أن تكون بالوعي، وتعزيز الثقافة الوطنية، ودعم المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية القادرة على تقديم المعلومات بصورة موضوعية، وتنمية التفكير الواعي لدى الشباب، حتى يصبحوا أكثر قدرة على تحليل ما يتلقونه عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

كما أن المسؤولية تقع على عاتق الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الثقافية، في ترسيخ قيم الانتماء الوطني، وتعريف الأجيال بتاريخ العدو الإسرائيلي والمجازر التي ارتكبها طوال تاريخه، فمهما حدث لن ننسى أسرانا العزل الذين قُتلوهم بدم بارد، ضاربين بمعاهدة جنيف عرض الحائط، وأيضًا أطفال مدرسة بحر البقر، وكذلك طبيعة الصراعات التي يبثها العدو الإسرائيلي بيننا، وحتى لا يصبح الرأي العام عرضة للتأثر بالدعاية أو الحملات المنظمة التي تستهدف بث فكر معين ضد هويتنا الوطنية.

إن ما شهدناه خلال الفترة الماضية يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى مراجعة أدواتنا الثقافية والتوعوية، والعمل على تحصين المجتمع بالفكر والمعرفة، لأن حماية الوعي لا تقل أهمية عن حماية الحدود، فالمجتمعات التي تمتلك وعيًا راسخًا تكون أكثر قدرة على مواجهة أي محاولات للتأثير على هويتها أو تغيير قناعاتها، بينما تظل المعركة الحقيقية هي معركة الوعي، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه قوة الأوطان واستقرارها.

اقرأ أيضاً
اليوم.. الرئيس السيسي يكرم بعثة منتخب مصر بعد إنجاز مونديال 2026

مصطفى بكري: الشعب المصري لا يعرف المستحيل.. والمنتخب خرج من المونديال مرفوع الرأس

إعلام إسرائيلي يبرز رفع حسام حسن علم فلسطين في العلمين الجديدة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق