الثاني من أغسطس.. .هناك تواريخ لا تمر في حياة الأوطان كأي يوم عابر، بل تتحول إلى علامة فاصلة بين زمنين، وتبقى حاضرة في الضمير الوطني مهما تعاقبت السنوات، وفي الكويت يبقى الثاني من أغسطس 1990 واحدا من أكثر الأيام ألما في تاريخ الدولة الحديثة، اليوم الذي تعرضت فيه البلاد لغزو عسكري غاشم انتهك كل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، واستهدف دولة آمنة وشعبًا لم يعرف سوى مد يد الأخوة لجيرانه.
ومع حلول الذكرى السادسة والثلاثين لذلك العدوان، فإن استحضار تلك المرحلة لا ينبغي أن يكون مجرد طقس سنوي أو مناسبة لإعادة نشر الصور القديمة، وإنما فرصة لتجديد الوعي الوطني، وترسيخ حقيقة تاريخية لا يجوز أن تغيب عن الأجيال التي لم تعش تلك الأحداث.
لقد أثبتت تلك المحنة أن الأوطان لا تقاس بحجمها الجغرافي، بل بإرادة شعوبها، فالكويت رغم قسوة الاحتلال لم تستسلم، ووقف شعبها بكل أطيافه خلف قيادته الشرعية، وسطر رجال المقاومة وأبناء القوات المسلحة وقوات الأمن صفحات مشرقة من التضحية، بينما تحركت الدبلوماسية الكويتية بحكمة حتى نجحت في حشد موقف دولي غير مسبوق انتهى بتحرير البلاد وعودة الشرعية في السادس والعشرين من فبراير 1991.
لكن يبقى السؤال الأهم بعد أكثر من ثلاثة عقود كيف نحافظ على هذه الذاكرة الوطنية؟ وكيف نضمن أن يعرف أبناء الكويت، بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا، ماذا جرى لوطنهم، ولماذا كان التحرير أعظم انتصار في تاريخهم الحديث؟
هنا تبرز أهمية بيت الكويت للأعمال الوطنية، ذلك المشروع الوطني الذي لم يكن مجرد متحف أو معرض للصور، بل كان مشروعا متكاملا لتوثيق تاريخ الكويت منذ نشأتها، مرورا بمراحل بناء الدولة، وصولا إلى الغزو العراقي وما ارتُكب خلاله من جرائم وانتهاكات، ثم ملحمة التحرير وعودة الدولة.
لقد انطلق بيت الكويت للأعمال الوطنية بجهود وطنية مخلصة، وتحول مع الوقت إلى صرح ثقافي وتعليمي يروي للأجيال قصة وطن بالصوت والصورة والوثيقة، واحتضن بانوراما تاريخية متكاملة تبدأ بتاريخ الكويت وحكامها، ثم تنتقل إلى تفاصيل الغزو، وما تعرض له الشعب الكويتي من مآس، وتوثق بطولات الشهداء والمقاومة، وصولا إلى يوم التحرير الذي أعاد للكويت سيادتها وكرامتها.
ولم يتوقف دور البيت عند التوثيق المحلي، بل نافذة تعرف العالم بقصة الكويت، فقد استقبل وفودا رسمية وشخصيات دولية، وضم أجنحة للدول التي شاركت في تحرير الكويت، ووقع اتفاقيات تعاون وتوأمة مع متاحف ومؤسسات ثقافية في عدد من دول العالم، كما استقبل يوميًا مئات الطلبة الذين كانوا يتعرفون على تاريخ وطنهم بطريقة حية تجمع بين الوثيقة والصورة والرواية التاريخية.
كان هذا الصرح يمثل مدرسة وطنية مفتوحة، يتعلم فيها الطالب قبل الباحث، ويقف فيها الزائر أمام حقائق موثقة لا تقبل التشكيك أو التزييف.
لكن المؤلم أن هذا المشروع الذي حمل ذاكرة وطن بأكمله، تعرض خلال السنوات الماضية إلى الإهمال بصورة مؤسفة فقد بدأت الأزمة بقطع التيار الكهربائي عن الموقع، ثم تُرك المبنى مغلقا، رغم المناشدات المتكررة للحفاظ عليه، حتى تحول الإهمال إلى كارثة حقيقية.
وبعد سنوات من الاستغاثات والمطالبات بإنقاذه، كانت الصدمة عندما تبين أن المتحف تعرض للسرقة والتخريب، وأن كثيرا من مقتنياته ومحتوياته لم تعد في مكانها، في مشهد مؤلم لا يمس مبنى أو مقتنيات فحسب، بل يمس ذاكرة وطنية كان ينبغي أن تُصان بكل الوسائل.
ولا تزال الجهات المختصة تحقق في ملابسات ما جرى، وهو أمر يحظى بكل التقدير، لكن القضية أكبر من تحديد المسؤول عن واقعة السرقة، لأنها تطرح سؤالا وطنيًا بالغ الأهمية كيف يمكن أن يُترك مشروع يوثق أهم مرحلة في تاريخ الكويت الحديث حتى يصل إلى هذه النتيجة؟
إن الحفاظ على الذاكرة الوطنية ليس ترفا ثقافيا، بل هو جزء من الأمن الوطني فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لتزييف التاريخ، وأكثر قابلية لتكرار الأخطاء ذاتها، بينما تبقى الأمم التي توثق تاريخها وتحميه أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقها وسيادتها في المستقبل.
ولهذا فإن إعادة إحياء بيت الكويت للأعمال الوطنية ليست مطلبًا ثقافيا فقط، بل واجب وطني فمن حق أبناء الكويت، ومن حق الأجيال القادمة، أن يشاهدوا بأعينهم قصة وطن قاوم الاحتلال وانتصر عليه، وأن يعرفوا حجم التضحيات التي قدمها الآباء والأجداد حتى تبقى راية الكويت مرفوعة.
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للغزو العراقي الغاشم، لا نحتاج فقط إلى استذكار الماضي، بل إلى حماية روايته، لأن التاريخ إذا لم يُكتب ويُحفظ ويُعرض للأجيال، سيأتي من يحاول إعادة كتابته، أو التشكيك فيه، أو محوه.
نحن لا نطلب معجزة، بل فقط الحد الأدنى من الواجب الوطني. لقد ناشدنا وزير الإعلام السابق ربما ست أو سبع مرات، ونناشد معالي الوزير الحالي.. لا نريد نقل صالة الحلفاء إلى دسمان، نريد أن تبقى صالة التاريخ في بيتها، في موقعها، حيث سطر الكويتيون أروع صور الشجاعة.
الكهرباء تُقطع، المطر يتلف المقتنيات، والحرارة تذيب الذاكرة، والمتحف مغلق، والتاريخ مُغلق، والأمل.. .أيضًا مغلق.
هل هذه هي الطريقة التي نكافئ بها الأبطال؟ هل هذا هو مصير صرح وطني استقبل عشرات الآلاف من الزوار، وأثبت دوره في غرس القيم الوطنية؟
هذا النداء ليس لمؤسسة فقط، بل لكل قلب ينبض بالكويت، لكل أم بكت ابنها شهيدا، لكل أب صمد في وجه المحتل، لكل زوجة أُخذ زوجها أسيرا، لكل طفل وُلد تحت القصف، ولكل شاب حمل السلاح دفاعًا عن وطنه.
إن التاريخ لا يُرمم إذا تلف، ولا يُخلق من العدم إذا مُسح، فإما أن نحفظه اليوم، أو ندفنه ونعتذر للأجيال القادمة. بيت الكويت للأعمال الوطنية ليس جدرانا وذكريات، إنه نبض الكويت، مرآة الحقيقة، ومسؤوليتنا جميعا.
رحم الله شهداء الكويت، وحفظ الله الكويت قيادة وشعبا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل من ذكرى الثاني من أغسطس محطة يتجدد فيها الإيمان بأن الأوطان تُبنى بالوفاء، وتبقى بحفظ تاريخها قبل أي شيء آخر.
وللحديث.. .بقية.
للمزيد تابع
خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار الرياضية فى هذا المقال : الثاني من أغسطس.. حين تصبح الذاكرة خط الدفاع الأول عن الكويت, اليوم الأحد 2 أغسطس 2026 12:37 مساءً

















0 تعليق