نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ردا على «صديقي اللدود» الدكتور أيمن منصور ندا, اليوم الجمعة 10 يوليو 2026 09:32 مساءً
لا مشكلة في اختلاف كاتب أو باحث مع حكومته، أو انتقاده سياسات عامة، أو حتى مطالبته بتصحيح المسار الإداري والاقتصادي.. .إلخ، فهذا حق مشروع، ويُعد من مقتضيات النقاش العام في أي دولة. لكن المشكلة، من وجهة نظري، تبدأ عندما يتحول التحليل السياسي إلى بناء أدبي يعتمد على صور بلاغية واستنتاجات كبرى، تُقدَّم كـ«حقائق تاريخية»، وتتعارض مع وقائع متجسدة على الأرض لا يمكن إنكارها.
هذا أول انطباع خرجت به بعد قراءة مقال صديقي د.أيمن منصور ندا، «عندما يموت الإنجاز في حياة صاحبه!»، الذي كتب فقراته بلغة أدبية جذابة، لكنه بنى نتائجه على مقارنات تحتاج إلى مراجعة تاريخية ومنهجية، عند مقارنة ثورة 30 يونيو بما قبلها، وكذلك معايير نجاح الدول أو إخفاقها.
الدراسة الجادة لأي تجربة سياسية تبدأ بسؤال بسيط: ما الذي كانت عليه مصر قبل 13 عامًا؟ ما الذي أصبحت عليه بعدها؟ هل يُقيَّم نجاح التجربة في ظل الظروف الطبيعية أم في ظل الظروف الاستثنائية التي تحيط بها؟ وهل يجوز عزل الإنجازات عن التحديات، أو التحديات عن الإنجازات؟
مقال «عندما يموت الإنجاز في حياة صاحبه!»، لم يفعل ذلك، كونه انتقل مباشرة إلى بناء رواية واحدة: كل مشروع سياسي في مصر انتهى إلى الفشل، و30 يونيو ليست استثناءً، ومن هنا يبدأ الخلاف، من وجهة نظري، بعدما وضع الدكتور أيمن ندا، في سياق واحد مشروع محمد علي، تجربة الخديو إسماعيل، ثورة يوليو 1952، عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، ثم ثورة 30 يونيو 2013، كأنها نسخ متكررة من الظاهرة نفسها.
هذه مقارنة لا تصمد أمام أبسط قواعد البحث التاريخي.
محمد علي كان يؤسس دولة حديثة في مطلع القرن التاسع عشر، في عالم تحكمه إمبراطوريات تقليدية، وكانت مصر تحت الحكم العثماني، وسط وضع قانوني وسياسي مختلف تمامًا عن الدولة الوطنية الحديثة، أما الخديو إسماعيل، فقد حكم في ظل نظام مالي دولي مختلف، وفي زمن كانت القوى الأوروبية تمارس الاستعمار المباشر، وكانت أدوات السيطرة تتمثل في الديون، والامتيازات الأجنبية، والاحتلال العسكري.
ثورة يوليو 1952 جاءت في ظل الحرب الباردة، ومشروع التحرر الوطني، وإنهاء الاحتلال البريطاني، وبناء القطاع العام، وإعادة تشكيل المجتمع المصري، بينما عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، فقد عمل داخل اقتصاد عالمي مختلف، وفي بيئة إقليمية مستقرة نسبيًا، مقارنة بما شهدته المنطقة بعد عام 2011.
ثورة 30 يونيو جاءت في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ مصر والشرق الأوسط، بعد انهيار دول، وصعود تنظيمات إرهابية عابرة للحدود، وتفكك جيوش وطنية، وحروب أهلية، وأزمات اقتصادية عالمية متلاحقة.
إذن، كيف يمكن وضع هذه التجارب كلها في قالب واحد؟
هل كانت ثورة 30 يونيو مشروع شخص؟
هذه نقطة ثانية، شديدة الخطورة، يتناساها مقال صديقي د.أيمن ندا، وهي أن ثورة 30 يونيو لم تبدأ داخل مؤسسة الحكم، ولم تكن مشروعًا شخصيًا صاغه رئيس، ثم طلب من المجتمع التصفيق له.
الطريق إلى الثورة بدأ بممارسات جماعة الإخوان (الإرهابية - الاحتكارية)، التي راحت تسيطر على المؤسسات والمشهد العام، مستغلة حالة الفراغ المترتبة على غياب قوة سياسية منظمة. وعليه، بدأت الثورة باحتجاجات شعبية واسعة، شارك فيها ملايين المصريين اعتراضًا على سياسات الجماعة، ثم أعلنت القوات المسلحة انحيازها للإرادة الشعبية، وانطلقت بعد ذلك مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة.
هذا الفارق الأساسي يجعل المقارنة غير دقيقة بين 30 يونيو وتجارب تاريخية أخرى.
د.أيمن يتعامل مع الثورة باعتبارها مشروع حاكم، بينما الواقع أنها كانت نقطة فاصلة في تاريخ الدولة المصرية، أنهت حالة استقطاب حاد، ومنعت انتقال البلاد إلى نموذج كانت له تداعيات خطيرة على وحدة مؤسسات الدولة، وعلى السلم الاجتماعي نفسه.
نعم، قد يختلف باحثون في تقييم سياسات لاحقة، لكن ذلك لا يغير من طبيعة الحدث نفسه.
سؤال: هل يمكن إعلان «وفاة» ثورة، بينما نتائجها ما زالت قائمة، على النحو الحاسم الذي يقوله الدكتور أيمن ندا: «وفاة ثورة 30 يونيو»؟
لماذا لم يطرح على نفسه تساؤلات أكثر أهمية قبل الشروع في كتابة المقال:
ما تعريف وفاة الثورة؟
هل تم تفكيك مؤسسات الدولة؟
هل انهارت القوات المسلحة؟
هل فقدت مصر سيطرتها على حدودها؟
هل توقفت المشروعات القومية؟
هل تعطلت الجامعات الجديدة؟
هل توقفت شبكات الطرق؟
هل انهارت منظومة الكهرباء؟
هل اختفت المدن الجديدة؟
هل انتهى تطوير الموانئ؟
هل فقدت الدولة قدرتها على تنفيذ مشروعات استراتيجية؟
إذا كانت إجابتك بالنفي، يا صديقي، فمن الصعب علميًا استخدام تعبير «وفاة الثورة»، لأن الحكم على أي تجربة تاريخية لا يعتمد على الشعور العام أو الرمز البلاغي، وإنما على مؤشرات قابلة للقياس والتقييم (مش كده ولا إيه؟).
من حق أي كاتب أن يرى أن السياسات الاقتصادية تحتاج إلى مراجعة.
ومن حقه أن ينتقد قرارات بعينها.
ومن حقه أن يطالب بإصلاحات سياسية أو اقتصادية.
لكن الانتقال من «نقد السياسات» إلى إعلان «نهاية المشروع» الوطني كله يحتاج إلى أدلة أكبر بكثير من تلك التي تعرضها في مقالك، صديقي د.أيمن ندا.
ألا يجب عليك أولًا أن تناقش، مثلًا:
كيف تغير موقع مصر الإقليمي؟
كيف تغير وضع الجيش المصري منذ 2013؟
كيف تطورت قدراته التسليحية؟
ماذا حدث في سيناء من مكافحة للإرهاب، وتجفيف لمنابعه؟
ماذا حدث في قطاع الطاقة؟
كيف تغيرت شبكة الطرق؟
ماذا جرى في ملف الإسكان؟
كيف تطورت الجامعات؟
كيف توسعت الموانئ؟
كل هذه الملفات غابت تقريبًا عن مقالك، رغم أنها من أهم معايير الحكم على أداء الدولة.
ومن أهم ملاحظاتي أن المقال يناقش أداء الدولة المصرية كأنها كانت تعمل وسط أجواء عادية.
منذ عام 2013 وحتى يوليو الجاري، واجه العالم سلسلة غير مسبوقة من الأزمات:
تمدد التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
انهيار الدولة الليبية.
الحرب في سوريا، وسقوطها.
الأزمة اليمنية.
جائحة «كوفيد 19».
الحرب الروسية الأوكرانية.
موجات التضخم العالمية.
اضطراب سلاسل الإمداد.
ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
الحرب في قطاع غزة.
اضطراب الملاحة في البحر الأحمر.
تراجع حركة التجارة الدولية في بعض الممرات البحرية.
الحرب الإسرائيلية - الأمريكية على إيران، بنتائجها وتداعياتها الكارثية، إقليميًا وعالميًا.
أحداث لم تؤثر في مصر فقط، بل أصابت اقتصادات كبرى في أوروبا وآسيا والأمريكتين.
لهذا، فإن أي تقييم منصف للتجربة المصرية خلال الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة يجب أن يضع في الاعتبار البيئة الدولية التي عملت فيها الدولة، لا أن يعزلها عنها.
ثم إن الدولة ليست ملفًا اقتصاديًا فقط، ولا يصح التعامل معه بوصفه المعيار الوحيد للحكم على التجربة.
لا خلاف على أن الاقتصاد يمثل التحدي الأكبر، ليس للدولة المصرية فقط (بما يفرضه من ضغوط معيشية وأعباء الإصلاح.. .)، وإنما أيضًا لمعظم دول العالم، بما فيها الاقتصادات الكبرى. يكفي أن تراجع أوضاع الدول الأوروبية خلال السنوات الست الماضية، وما شهدته من معدلات تضخم مرتفعة، وأزمات طاقة، وتباطؤ اقتصادي، وارتفاع في تكاليف المعيشة، لتدرك أن الضغوط الاقتصادية لم تكن حكرًا على مصر، بل كانت جزءًا من أزمة عالمية واسعة.
(بلغ إجمالي الدين الوطني للولايات المتحدة الأمريكية مستوى تاريخياً قريباً من 39.4 تريليون دولار، استناداً إلى أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية).
ما قصدته أن الدولة الحديثة لا تُقيَّم بمؤشر واحد، فهناك: الأمن القومي، وقدرة قواتها المسلحة، وسلامة الحدود، واستمرار المؤسسات، والبنية الأساسية، والطاقة، والتعليم، والصحة، والدبلوماسية، والاستقرار الداخلي.. كلها عناصر تدخل في تقييم أي تجربة.
لو طبقنا المنهج الذي استخدمته، د.أيمن، على دول عدة، لانتهينا إلى إعلان فشل معظم دول العالم، رغم أنها حققت تقدمًا في ملفات، وتراجعت في ملفات أخرى.
إذن، نحن أمام أزمة معطيات (المقدمة)، تقودنا إلى أزمة نتائج (الاستنتاج).
المشكلة الأساسية في مقالك ليست في اختلافه مع سياسات حكومية، لكن في أنه بدأ من فرضية تقول إن جميع التجارب السياسية المصرية انتهت بالطريقة نفسها، ثم حاول إسقاط هذه الفرضية على ثورة 30 يونيو، دون أن يثبت أولًا أن الظروف التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والأمنية كانت متماثلة.
هذا ما لا تؤيده الوقائع.
لهذا، فإن مناقشة تجربة 30 يونيو يجب أن تبدأ من السؤال الصحيح: ماذا كانت مصر في صيف 2013؟ وما الذي أصبحت عليه حتى يوليو الجاري 2026؟
الإجابة عن هذا السؤال، بالأرقام والوقائع، هي التي تحدد قيمة التجربة، لا الصور البلاغية، ولا الاستعارات الأدبية، ولا عناوين الرثاء.
بمناسبة، محمد علي، إسماعيل، عبد الناصر، مبارك، وثورة 30 يونيو، أرى أن المقارنة لا تصح بين الفترات المذكورة.
اعتمدتم، يا د.أيمن، على فكرة تبدو جذابة أدبيًا، ممثلة في أن التاريخ المصري يعيد نفسه، وأن جميع المشروعات الكبرى تنتهي بالطريقة ذاتها، يبدأ المشروع قويًا، ثم يضعف، ثم يموت قبل صاحبه أو في حياته، كأن الانتقال مباشرة إلى ثورة 30 يونيو مجرد حلقة جديدة في هذا التسلسل التاريخي!!
هذه الفكرة قد تصلح كاستعارة في رواية أو مقال أدبي، لكنها لا تصلح قاعدة للتحليل التاريخي، فالمؤرخ (كما تعرفون أكثر مني أكاديميًا، سياسيًا، ومنهجيًا)، لا يبدأ من التشابه اللفظي، وإنما من اختلاف الأزمنة، البيئات، الظروف، طبيعة الدولة، موازين القوى، أدوات الحكم، وحجم التحديات.
وعليه، عندما نطبق هذه القواعد، تتضح الفروق الواسعة بين التجارب التي جمعها مقالكم في إطار واحد!
محمد علي، مثلًا، كان مشروعه، كما أفهم، تأسيس دولة، لا مشروع إدارة دولة قائمة.
عندما تولى الحكم عام 1805، لم تكن مصر دولة وطنية بالمفهوم الحديث، بل كانت تحت الحكم العثماني، اقتصادها زراعيًا محدودًا، وجيشها التقليدي لا يقارن بجيوش أوروبا التي دخلت عصر الثورة الصناعية.
كان الهدف الأول لمحمد علي بناء الدولة من الأساس: إنشاء جيش حديث، إقامة مصانع، وتطوير الإدارة، إرسال البعثات العلمية، بناء أسطول بحري، وإعادة تنظيم الزراعة والري. وقد حقق بالفعل نقلات كبيرة قياسًا بعصره.
لكن مشروعه اصطدم بتوازنات دولية لم يكن يملك تغييرها.
بريطانيا، فرنسا، روسيا، النمسا، وبروسيا، لم تكن مستعدة لقبول قيام قوة إقليمية تنافس الدولة العثمانية وتهدد مصالحها، لذلك جاءت اتفاقية لندن عام 1840 لتفرض على محمد علي تقليص نفوذه العسكري، والإبقاء على حكمه لمصر في إطار محدد.
فهل يعني ذلك أن مشروع محمد علي «مات»؟ أم أن المشروع تعرض لقيود فرضها النظام الدولي في ذلك الوقت؟ حتى بعد تلك القيود، ظلت المؤسسات التي أنشأها قائمة، واستفادت منها أجيال لاحقة، وربما حتى اليوم.
إذن، فإن تصوير نهاية التوسع العسكري باعتبارها «وفاة المشروع» يتجاهل أن كثيرًا من أدوات الدولة الحديثة التي عرفتها مصر لاحقًا كانت ثمرة مباشرة لذلك المشروع.
أما الخديو، إسماعيل، الذي يقدمه مقالكم كنموذج آخر للمشروع الذي انتهى إلى «الفشل»، فاسمح لي أن أختلف (الخلاف الذي يعزز الود)، معكم، لأن الخديو إسماعيل تبنى مشروع تحديث في عصر الإمبراطوريات، وكان يحكم في عالم مختلف جذريًا.
تتذكرون معي أنه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت القوى الأوروبية تمارس ما يُعرف بـ«دبلوماسية الديون»، ولم تكن مصر الدولة الوحيدة التي تعرضت لهذا الأسلوب، بل واجهته دول عدة في آسيا، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
إسماعيل طوَّر القاهرة، افتُتحت في عهده قناة السويس، أنشأ السكك الحديدية، وسع شبكة الري، وأدخل إصلاحات تعليمية وإدارية واسعة، وفي المقابل، ارتفعت الديون إلى مستويات خطيرة، واستغلت بريطانيا وفرنسا ذلك للتدخل في الشئون المالية المصرية، قبل أن ينتهي الأمر بالاحتلال البريطاني عام 1882.
فهل كان ذلك نتيجة خطأ اقتصادي فقط؟ أم كان أيضًا نتيجة تنافس استعماري، كانت مصر أحد ميادينه؟ تناسي هذه الخلفية يجعل القراءة التاريخية غير كاملة.
الأكثر إثارة في النقاش ما يتعلق بثورة 23 يوليو 1952، وتوقفكم عند عدوان 5 يونيو 1967 لتقرروا أن ثورة يوليو «ماتت» آنذاك.
لا خلاف على أن عدوان يونيو 1967 كان كارثيًا، لكن هل أنهى مشروع ثورة يوليو في ذلك اليوم؟
ألم تبدأ بعده مباشرة العمليات العسكرية النوعية، مثل «رأس العش»، ثم حرب الاستنزاف، التي استمرت حتى عام 1970، بالتزامن مع إعادة بناء الكفاءة القتالية للقوات المسلحة، ثم جاء انتصار أكتوبر 1973، الذي شاركت فيه القوات التي أُعيد بناؤها بعد عام 1967؟!
أليست المؤسسات التي أنشأتها ثورة يوليو، مثل التوسع في التعليم، والتصنيع، والإصلاح الزراعي، وتطوير البنية الإدارية، قد استمرت لعقود لاحقة، سواء اتفق البعض مع نتائجها أو اختلفوا؟!
إذن، فإن اختزال تجربة امتدت أكثر من عقدين في لحظة العدوان وحدها يحتاج إلى مراجعة (أعرف رحابة صدركم في هذا الشأن).
بخصوص عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، الذي كانت سماته الاستقرار الطويل والتحديات المتراكمة، فوصفكم لتلك المرحلة بـ«الثلاجة الكبيرة» استعارة أدبية معبرة، خاصة عن النصف الثاني من الثلاثين عامًا التي أمضاها في الحكم.
نعم، شهد عهده استقرارًا سياسيًا نسبيًا، مع تراكم ملفات التجاوزات المالية والإدارية، وتفاقم البطالة، وتراجع التعليم والصحة، قبل أن ينتهي بما حدث في يناير 2011، بعدما تعددت الأسباب المركبة، داخليًا وخارجيًا.
عند هذا الحد، لابد أن أتوقف عند محطة ثورة 30 يونيو: هل هي استمرار لما سبق أم حالة مختلفة؟
أراكم، يا دكتور، تتمسكون بنتيجة محددة منذ البداية، وهي أن 30 يونيو حلقة جديدة في سلسلة المشروعات المنتهية بـ«الفشل» (!!)، لكنكم تتناسون الاختلاف الأساسي، من وجهة نظري.
جاءت ثورة 30 يونيو بعد عامين ونصف العام من الاضطرابات الدرامية غير المسبوقة، سبقها أعوام من الاستقطاب السياسي الذي كانت تقف خلفه جماعة الإخوان وحلفاؤها، لاستنزاف مؤسسات الدولة، قبل أن توسع الجماعة، ومن معها من الكيانات التكفيرية، النشاط الإرهابي في سيناء، بهدف خلخلة الوضع الأمني، حتى تتمكن من السيطرة على مفاصل الحكم في القاهرة.
وتزامنت ثورة 30 يونيو مع صراعات وحروب أهلية في الجوار، حتى إن بعض البلدان فقدت السيطرة على أجزاء من أراضيها، وأخرى تبددت سيادتها.
لذلك، كان التحدي الأول بعد عام 2013 هو الحفاظ على بقاء الدولة نفسها، قبل الحديث عن معدلات النمو أو المشروعات الكبرى.
هذه ليست وجهة نظر سياسية، لكنها توصيف وتشخيص حقيقيان لواقع شهدته المنطقة بأكملها.
نحن إذن أمام فارق آخر لم يتوقف عنده المقال. أقصد المقارنة بين بيئتين مختلفتين.
محمد علي لم يواجه تنظيمات إرهابية عابرة للحدود.
إسماعيل لم يواجه حربًا إلكترونية أو هجمات سيبرانية.
عبد الناصر لم يواجه أزمة سلاسل الإمداد العالمية أو جائحة مثل «كوفيد-19».
مبارك لم يواجه حربًا في غزة أثرت بشكل مباشر في الاقتصاد المصري، سبقها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أسواق الحبوب والطاقة.
أما الدولة المصرية بعد عام 2013، فقد واجهت كل هذه الملفات تقريبًا، وبعضها تزامن في الوقت نفسه.
هذا وحده كافٍ لإثبات أن المقارنة المباشرة بين تلك المراحل لا تستند إلى منهج تاريخي سليم.
النقطة الأكثر أهمية أنكم، يا صديقي الأكاديمي الكبير، تصدرون حكمًا نهائيًا على تجربة ما زالت قائمة. فهل يجوز إصدار حكم نهائي في هذا الشأن؟
المؤرخون عادةً يتحفظون في إصدار أحكام قاطعة على أحداث لم تنتهِ بعد، لأن النتائج النهائية لا تتضح إلا بعد سنوات، وربما عقود.
هل كان بمقدورهم عام 1941 إعلان فشل الولايات المتحدة بعد الهجوم على «بيرل هاربر»؟
وهل كان بمقدورهم الجزم عام 1968 بمصير حرب الاستنزاف، أو التنبؤ بحرب أكتوبر؟
وهل كان بمقدورهم عام 1992 حسم مصير جنوب أفريقيا قبل انتهاء نظام الفصل العنصري؟
التاريخ يعلمنا أن الأحكام المبكرة كثيرًا ما تكون أقل دقة من الوقائع التي تأتي بعدها.
لا يعني ما سبق أن تجربة ما بعد 30 يونيو خالية من الملاحظات، أو أن السياسات لا تستحق المراجعة، أو أن المواطنين (وأنا، وأنت منهم) لا يعانون من ضغوط معيشية حقيقية.
لكن الاختلاف مع بعض السياسات شيء، وإعلان «وفاة» الثورة ككل شيء آخر.
فالقياس التاريخي لا يعتمد على تشابه العناوين، بل على مقارنة السياقات، وتحليل الوقائع، وتقييم النتائج وفق معايير متجانسة.
عندما نطبق هذا المنهج، يتبين أن وضع محمد علي، والخديو إسماعيل، وثورة يوليو، وعهد مبارك، وثورة 30 يونيو في قالب واحد، لا يفسر التاريخ بقدر ما يبسطه، وقد يفقده دقته.
ماذا أنجزت الدولة المصرية بين 2013 ويوليو 2026؟
عندما يُقال إن ثورة 30 يونيو «ماتت»، فإن أول ما ينبغي فعله هو العودة إلى الوقائع.
بالتأكيد، الدول لا تُقيَّم بالخطب، ولا بالمجازات الأدبية، وإنما بما تحقق على الأرض.
سؤالي لكم، يا دكتور: هل الدولة المصرية الآن أقوى مما كانت عليه في صيف 2013، أم أضعف؟ وهل امتلكت أدوات جديدة للدفاع عن أمنها، وتنمية اقتصادها، وخدمة مواطنيها، أم فقدتها؟
قد يختلف الرأي العام في تقييم سياسات بعينها، لكن يصعب إنكار أن مصر شهدت خلال الأعوام الممتدة من 2013 إلى يوليو 2026 واحدة من أكبر موجات بناء الدولة في تاريخها الحديث، سواء في الأمن، أو البنية الأساسية، أو الطاقة، أو الزراعة، أو التعليم، أو الصحة، أو السياسة الخارجية.
لنتوقف عند الأمن القومي (استعادة الدولة قبل أي شيء)، حيث كان التحدي الأول قبل ثلاثة عشر عامًا هو الحفاظ على بقاء الدولة نفسها.
في تلك الفترة، كانت الحدود الغربية مفتوحة على الفوضى الليبية، وكانت التنظيمات الإرهابية تنشط في شمال سيناء، بينما كانت المنطقة تشهد انهيار جيوش ومؤسسات في أكثر من دولة عربية.
ونجحت مؤسسات الدولة المصرية، خلال سنوات قليلة، في استعادة السيطرة الأمنية على البؤر الإرهابية، وتوجيه ضربات متتالية للتنظيمات المسلحة، حتى تم القضاء عليها.
في الوقت نفسه، شهدت القوات المسلحة برنامج تحديث واسعًا شمل مختلف الأفرع الرئيسية، مع تنويع مصادر التسليح، بعد عقود من الاعتماد على مصدر رئيسي واحد.وشمل ذلك تحديث القوات الجوية، وتطوير القوات البحرية، وإضافة قطع بحرية حديثة، وتطوير منظومات الدفاع الجوي، وتعزيز قدرات الاستطلاع والقيادة والسيطرة (آخرها القيادة الإستراتيجية المصرية).
توسعت الدولة في إنشاء وتطوير القواعد العسكرية، بما يسمح بسرعة التحرك في الاتجاهات الإستراتيجية المختلفة، سواء على البحر المتوسط، أو البحر الأحمر، أو الحدود الغربية والجنوبية.
وهذا التطوير لم يكن رفاهية، بل جاء في بيئة إقليمية أصبحت أكثر اضطرابًا، مع استمرار الأزمات في ليبيا والسودان، وتصاعد التوتر في شرق المتوسط، والحرب في غزة، والتهديدات التي طالت الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
إذا كان هناك ملف يصعب الاختلاف حول حجمه، فهو البنية الأساسية، ورفع كفاءة الخدمات، والتوسع في مشروعات الطاقة التقليدية، والجديدة، والمتجددة. وليس فقط في الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، التي تضم مصر فيها أحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم، بل أيضًا عبر محطة الضبعة النووية، التي تضم أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات.
لا أعرف لماذا نتغاضى عن استعادة الحضور الإقليمي والدولي، بعدما شهدت السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الماضية نشاطًا مكثفًا على أكثر من محور. فقد عززت مصر علاقاتها مع الدول العربية، ووسعت تعاونها مع الدول الأفريقية، وشاركت بفاعلية في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، وأصبحت طرفًا رئيسيًا في ملفات إقليمية معقدة.
كما حافظت مصر على علاقات متوازنة مع قوى دولية متعددة، الأمر الذي منحها مساحة أوسع للتحرك في بيئة دولية عاصفة.
لا تعني هذه الإنجازات أن الدولة بلا أخطاء، ولا أن الاقتصاد لا يواجه تحديات، ولا أن المواطنين لا يعانون من ضغوط معيشية حقيقية، لكن تقييم أي تجربة سياسية يجب أن يكون شاملًا، حتى لا نختزل المشهد كله في عبارة: «الإنجاز مات»!
هل كانت مصر، خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية، تعمل في ظروف طبيعية؟
أتحدث عن العالم من حولنا، الذي لم يعره مقالكم، د.أيمن، انتباهًا!
إن التعامل مع التجربة المصرية كأنها جرت داخل بيئة مستقرة، ثم تقييمها بمعايير زمن السلم الكامل، يمثل مشكلة كبيرة، منهجية بالأساس، لأن أي تقييم للدول يبدأ أولًا من دراسة «البيئة الإستراتيجية» التي عملت فيها.
وأرى أنه ليس من العدل مقارنة دولة تعمل في ظروف طبيعية بمصر، التي تعمل وسط واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
منذ عام 2013، لم تواجه مصر تحديًا واحدًا، بل واجهت سلسلة من الأزمات الداخلية والإقليمية، التي تداخلت آثارها وتزامنت.
يكفي الإرهاب، الذي استنزف دولًا وأسقط أخرى. فعندما استعادت الدولة المصرية توازنها في صيف 2013، كانت التنظيمات الإرهابية قد بدأت توسع نشاطها في شمال سيناء، مستفيدة من التحالف مع جماعة الإخوان عقب أحداث عام 2011.
في الوقت نفسه، كان تنظيم «داعش» يتمدد في العراق وسوريا، بينما انهارت مؤسسات الدولة في ليبيا، وتحولت مناطق واسعة إلى مخازن للأسلحة الثقيلة، وممرات مفتوحة أمام الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
كانت مصر مطالبة بخوض معركة مركبة: حماية الداخل، وتأمين الحدود، ومنع انتقال نموذج انهيار الدول إليها.
استغرقت هذه المواجهة سنوات، دفعت خلالها القوات المسلحة والشرطة ثمنًا باهظًا من دماء أبنائهما، قبل أن تنجح الدولة في إعادة بسط السيطرة الأمنية على المناطق التي كانت تشهد عمليات متكررة.
السؤال الذي يغيبه المقال، يا دكتور: ماذا لو فشلت مصر في الحرب على الإرهاب؟
هل كنا سنتحدث اليوم عن استقرار، ومشروعات، وخدمات، واستثمارات، إذا كانت الدولة نفسها مهددة؟
ليبيا، صاحبة أطول حدود برية مع مصر، بنحو 1200 كيلومتر، تعيش منذ انهيار مؤسساتها عام 2011 مأزقًا كبيرًا. ولولا ما تبذله مؤسساتنا الوطنية، من ناحية، والجيش الوطني الليبي، نسبيًا، من ناحية أخرى، لمجابهة انتشار السلاح، والجماعات المسلحة، والهجرة غير النظامية، وشبكات الجريمة المنظمة، لكانت التحديات أكبر.
وكان على مصر أن تعزز تأمين حدودها طوال السنوات الماضية بصورة غير مسبوقة. وهذه ليست ظروفًا عادية تواجهها دولة تسعى إلى تنفيذ برامج تنموية.
الأمر نفسه ينطبق على الحدود الجنوبية، والشرقية، والشمالية، مع التعامل الرصين مع أزمة الأمن المائي، التي لم تعد مجرد «خلاف فني» حول «سد مشبوه» لدولة تهدر نحو 950 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، لكنها تطمع في الضغط على حصة مصر، البالغة 55.5 مليار متر مكعب. خاضت مصر جولات تفاوضية مطولة، وتحركات سياسية، وقانونية، ودبلوماسية، لكنها في المقابل، وبرؤية إستراتيجية، توسعت في تطوير مشروعات معالجة المياه، ومحطات التحلية، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتحسين كفاءة نظم الري، في محاولة لتقليل آثار أي نقص محتمل في الموارد المائية.
كانت مصر تنطلق بقوة كاقتصاد ناشئ، يُصنف الأول أفريقيًا، قبل أن يحبس فيروس كورونا «كوفيد-19» شعوب العالم داخل حدودها عام 2020، في صدمة لم تحدث منذ زمن تفشي الطاعون.
توقفت حركة الطيران.
انخفضت السياحة.
تراجعت التجارة الدولية.
تعرضت سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات واسعة.
لم تكن مصر استثناءً.
تراجعت إيرادات السياحة، وتأثرت قطاعات عديدة، واضطرت الدولة إلى زيادة الإنفاق على القطاع الصحي، ودعم بعض الأنشطة الاقتصادية، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على استمرار تنفيذ عدد كبير من المشروعات القومية. ولم تتعامل كما تعاملت دول كبرى كانت تقول لشعوبها: «لا نملك لكم إلا الدعاء»!
ولو نظرنا إلى اقتصادات كبرى، مثل ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، والولايات المتحدة، لوجدنا أنها جميعًا تعرضت لآثار اقتصادية كبيرة خلال تلك الفترة.
فهل يجوز تجاهل كل ذلك عند تقييم الأداء الاقتصادي المصري؟
الحرب الروسية الأوكرانية، منذ فبراير 2022، أثرت بشكل واضح في مصر، بوصفها أحد أكبر مستوردي القمح عالميًا، وتعتمد بدرجة كبيرة على واردات البحر الأسود.ومع اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار الحبوب عالميًا، وارتفعت أسعار النفط والغاز، وازدادت تكاليف النقل، والشحن، والتأمين.
لم تكن الأزمة مصرية، بل عالمية، دفعت معظم البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، وأدت إلى ارتفاع معدلات التضخم في عشرات الدول، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التطورات على الاقتصاد المصري، كما انعكست على اقتصادات أكبر وأكثر تنوعًا.
ثم جاء العدوان الإسرائيلي على غزة (أكتوبر 2023 - أكتوبر 2025)، ليدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الاضطرابات الدرامية. ومع اتساع نطاق الصراع، تعرضت الملاحة في البحر الأحمر لاضطرابات متكررة، وانخفض عدد السفن العابرة في بعض الفترات، ما أثر في إيرادات قناة السويس، التي تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر.
(الرئيس السيسي، في افتتاح القيادة الإستراتيجية: فقدنا أكثر من عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، نتيجة الاعتداءات على السفن في باب المندب، فضلًا عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى موجات نزوح الملايين إلى مصر، التي كانت وستظل ملاذًا آمنًا ومستقرًا في محيط مضطرب).
هل تسبب الاقتصاد المصري في هذه التطورات؟
بالطبع لا، لكن الاقتصاد المصري تحمل جزءًا من آثارها، كما تحملتها اقتصادات كثيرة تعتمد على التجارة الدولية.
هل كانت الدولة مطالبة بالتوقف عن البناء؟
هذا السؤال المهم يكاد يطرح نفسه علينا جميعًا، نحن الشعب المصري.
إذا كانت الدولة تواجه الإرهاب، وأزمة المياه، وجائحة كورونا، وحربًا في أوروبا، واضطرابات في البحر الأحمر، وانهيار دول إقليمية، فهل كان المطلوب أن تتوقف التنمية الشاملة حتى تنتهي هذه الأزمات؟ أم أن استمرارها في مثل هذه الظروف يمثل، في حد ذاته، صمودًا وطنيًا، ما كان ليتحقق في ظل حالة الاهتراء الشامل في زمن الإخوان؟
قد يختلف البعض حول أولويات بعض المشروعات، أو توقيتها، أو تمويلها.
وهذا نقاش مشروع، لكن إنكار أن الدولة واصلت العمل، بينما كانت البيئة الدولية والإقليمية تمر بهذه الاضطرابات، أراه لا ينسجم مع الوقائع. أما الإنكار الحقيقي، فيبدأ عندما يُمحى كل ما تحقق، ويُختزل ثلاثة عشر عامًا من مواصلة الليل بالنهار في عبارة واحدة: «مات الإنجاز».
بعد قراءتي للمقال، ومنهجه، ومراجعة السياق التاريخي والإقليمي، والتحولات التي شهدتها الدولة المصرية خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية، يبرز السؤال الأساسي: هل، فعلًا، يمكن القول إن ثورة 30 يونيو «ماتت»؟
بالطبع، الإجابة ليست عاطفية، لكنها يجب أن تستند إلى معايير موضوعية.
فعندما يتحدث باحثون عن نجاح ثورة أو إخفاقها، فإنهم لا ينطلقون من مستوى الرضا الشعبي في سنة بعينها، ولا من ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، ولا من شعبية حكومة أو تراجعها، وإنما ينظرون إلى الأهداف الإستراتيجية: هل تحققت أم لا؟ وهل غيرت اتجاه الدولة بصورة مستدامة؟
من هنا تبدأ المراجعة.
خرج ملايين المصريين، في 30 يونيو 2013، إلى الميادين، وكان هدفهم الأول حماية الدولة الوطنية من حالة استقطاب حادة، وإنهاء تجربة سياسية فقدت قدرًا كبيرًا من التأييد الشعبي، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع انزلاق البلاد إلى مسار شهدته دول أخرى في المنطقة.
هذا الهدف تحقق.. وأكثر.
لم تدخل مصر حربًا أهلية.
لم تنقسم مؤسساتها العسكرية.
لم تتفكك أجهزتها الأمنية.
لم تتحول إلى ساحة صراع إقليمي.
لم تظهر فيها حكومتان أو ثلاث حكومات متنافسة، كما حدث في دول مجاورة.
قد يرى البعض أن هذا أمر طبيعي، لكنه في بيئة الشرق الأوسط خلال العقد الأخير لم يكن أمرًا مضمونًا على الإطلاق.
هل تغيرت قدرات الدولة؟
لو قارنا بين مصر عام 2013 ومصر عام 2026، سنجد أن مؤسساتها أصبحت أكبر من حيث الإمكانات، وأكثر تنوعًا في أدواتها.
القوات المسلحة توسعت في قدراتها البرية، والبحرية، والجوية.
أصبحت البنية الأساسية أكثر اتساعًا.
تضاعف إنتاج الكهرباء مقارنة بما كان عليه عند بداية المرحلة.
تغيرت شبكات الطرق والنقل بصورة جذرية.
تحول قطاع الغاز إلى عنصر مؤثر في معادلة الطاقة الإقليمية.
أصبح التوسع العمراني واقعًا ملموسًا.
أضيفت جامعات جديدة إلى منظومة التعليم العالي.
وصلت المبادرات الصحية إلى ملايين المواطنين.
فهل يمكن إنكار كل ذلك؟
ليس هناك تجربة بشرية كاملة.
شهدت السنوات الماضية نقاشات واسعة حول أولويات الإنفاق، وإدارة الدين العام، وسعر الصرف، ودور القطاع الخاص، والسياسات الاستثمارية، والحماية الاجتماعية.
وهذه كلها موضوعات مشروعة للنقاش السليم، المبني على العلم، والرؤية، والتخصص، من أطراف العصف الذهني، لأن المنهج العلمي يفرق دائمًا بين نقد السياسة ونفي الإنجاز.
والتعامل مع الإنجاز باعتباره شعورًا عامًا بالرضا ليس صحيحًا.
فالإنجاز يُقيَّم بقدرة الدولة على البقاء، والتكيف، وتطوير مؤسساتها، وزيادة قدرتها على مواجهة المخاطر.
ولو طبقنا هذا المعيار، سنجد أن مصر، بين عامي 2013 و2026:
استعادت تماسك مؤسساتها.
وسعت قدراتها العسكرية.
رفعت كفاءة بنيتها الأساسية.
أنهت أزمة الكهرباء.
طورت شبكة النقل.
عززت حضورها الإقليمي.
حافظت على وحدة أراضيها.
واجهت الإرهاب.
وواصلت العمل رغم جائحة عالمية، وحربين إقليميتين، وحرب أوروبية، وأزمات اقتصادية متتابعة.
وهذه مؤشرات رئيسية تُستخدم عالميًا في تقييم قدرة الدول.
هذا عن «الإنجاز»، فماذا عن «إعلان وفاة» ثورة ما زالت نتائجها تتشكل؟
التاريخ يعلمنا أن الثورات لا تُقيَّم بعد ثلاثة عشر عامًا فقط.
النهضة الصينية لم تُقيَّم بعد المدة نفسها، بل بعد أجيال.
الثورة الفرنسية احتاجت عقودًا حتى استقرت نتائجها.
الوحدة الألمانية احتاجت سنوات طويلة حتى ظهرت آثارها الاقتصادية كاملة.
فكيف نصدر حكمًا نهائيًا على تجربة لا تزال مؤسساتها تتطور، وآثارها السياسية، والأمنية، والعمرانية، والاقتصادية تتشكل أمام الجميع؟
هذا يجعلنا نتحفظ في إصدار الأحكام النهائية على الأحداث الجارية، لأن الزمن وحده يكشف النتائج الكاملة.
الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن مصر واجهت، خلال ثلاثة عشر عامًا، تحديات غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه أنجزت مشروعات وتحولات يصعب إنكارها. يقتضي أيضًا التفريق بين نقد السياسات، بوصفه حقًا مشروعًا، وبين إعلان وفاة تجربة تاريخية متواصلة.
يا صديقي الأكاديمي الكبير، لا توجد تجربة سياسية تُفهم خارج سياقها، ولا توجد دولة تعمل في فراغ. وعندما يكتب مؤرخ أو باحث عن مرحلة تمتد من عام 2013 إلى يوليو 2026، فلا ينبغي أن يتناسى الإرهاب، والحروب الإقليمية، وجائحة كورونا، وأزمة الغذاء، وأزمة الطاقة، واضطرابات الملاحة الدولية، حتى لا يقدم جزءًا من الحقيقة. وتعلمون، بعلمكم الغزير وثقافتكم الكبيرة، أن التاريخ، بطبيعته، لا يُبنى على أنصاف الحقائق.
مصر وألمانيا تتفقان على اتخاذ خطوات لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والصناعة والطاقة
هيئة الاستثمار تستضيف منتدى الأعمال المصري السيراليوني نهاية فبراير
بحضور القيادات الأمنية ومصطفى بكري.. إنهاء خصومة ثأرية استمرت 45 عامًا بين عائلتي السعدية والهمامية في أبو حزام بقنا

















0 تعليق