نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جماعةُ الشيطانِ الملعونة, اليوم الاثنين 27 يوليو 2026 04:13 مساءً
ليست كلُّ النهايات وليدةَ لحظتها، وإنما تسبقها مقدماتٌ تُنبئ بها، وعلاماتٌ تهدي إليها من كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.وفي الأيام التي سبقت فضَّ اعتصامي رابعة والنهضة، كتبتُ على صفحتي في «فيسبوك» أحذِّر من أنَّ المشهد يمضي بخطًى حثيثة نحو كارثةٍ إنسانية، وأنَّ الدماء التي ستسيل لن تكون ـ في تقديري ـ نتيجةَ مصادفةٍ عابرة، بل ثمرةَ إصرارٍ على جرِّ البلاد إلى مواجهةٍ دامية، يُدفع إليها الأبرياء ليكونوا وقودًا لصراعٍ لم يختاروه، ثم تُتَّخذ دماؤهم بعد ذلك سلعةً للمزايدة السياسية والإعلامية.
ولم يكن ذلك التحذير ضربًا من ادعاء معرفة الغيب، ولا استنادًا إلى معلومةٍ خفية، وإنما كان قراءةً لما عرفتُه من منهج هذه الجماعة، وتاريخها الأسود في القتل والإغتيالات ثم غسل يدها منها والتدثر بدثار البراءة والسلمية وهم أبعد الناس عن ذلك، ثم ما فعلوه في ميدان التحرير إبان أحداث يناير 2011 من إطلاق نار مباشر وقول بعض قادتهم بأن مبارك لن يرحل إلا بالدماء واستغلالها لضغط المجتمع الدولي، وأيضا تأملًا في خطابها الذي ازداد حدَّةً، وفي لغة الوعيد التي وجَّهتها إلى الجيش وقيادته، مع انعدام كل مؤشرٍ صادقٍ ينبئ برغبةٍ في تجنيب الوطن وأهله ويلات الفتنة وسفك الدماء.
لقد بدا لي آنذاك أنَّ استمرار الاعتصام، في تلك الملابسات، لم يكن إلا دفعًا بآلاف المدنيين إلى دائرة الخطر، واستغلالًا لمعاناتهم، وتحويلًا لأرواحهم إلى أوراق ضغطٍ في معركةٍ لا ترى الإنسان إلا وسيلةً إلى غاية، ولا تقيس الأشياء إلا بميزان السلطة.
ولستُ أستحضر اليوم تلك الكلمات افتخارًا
بأنني توقعت ما وقع، فليس في وقوع المآسي ما يدعو إلى الزهو، وإنما أستعيدها لأنَّ واجب الكلمة الصادقة لا ينتهي بانتهاء الحدث، ولأنَّ من حق الأجيال أن تعرف كيف تُدار الفتن، وكيف تتحول الشعارات البراقة إلى سلالم يصعد عليها الطامعون، ثم يتركون البسطاء وحدهم يواجهون المصير.
ومن خلال ما رأيتُه وأؤمن به، فإنَّ هذه الجماعة لم تكن تُعلي قيمة الإنسان، ولا تجعل حرمة الدم في مقدمة أولوياتها، وإنما كانت ترى في الوصول إلى السلطة غايةً تبرر كل وسيلة، ولو كان الثمن وطنًا يُستنزف، أو شعبًا يُمزَّق، أو دماءً تُراق. كما أرى أنَّ مشروعها ارتبط بتصوراتٍ ومشروعاتٍ خارجيةٍ حظيت بدعمٍ سياسي من قوى دولية، وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية آنذاك، في إطار ما عُرف بمشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وهو المشروع الذي أؤمن بأنَّ مصر، بصلابة
مؤسساتها، ووعي شعبها، وبسالة جيشها، أسهمت في إسقاطه وإفشال أهدافه.
لقد علَّمتنا السنن، وأثبتت التجارب، أنَّ أخطر ما يُصيب الأمم ليس المؤامرة الخارجية في ذاتها، وإنما أن تجد تلك المؤامرة من أبناء الوطن من يحمل أدواتها، ويخدم أهدافها، وهو يظن أنه يحسن صنعًا. وعندئذٍ يتحول المواطن البسيط إلى وقودٍ لنارٍ أشعلها غيره، ويُستغل إخلاصه، وتُستثمر عاطفته، ويُلقى به في أتون الصراع، بينما ينجو المحرِّضون، ويتركونه يواجه وحده عواقب ما صنعوا.
ولذلك فإنَّ الخاسر الأكبر في كل فتنة هو الإنسان المغيَّب، الذي يُستدرج بالشعارات، ويُستغل باسم الدين، أو الحرية، أو حقوق الإنسان، ثم يكتشف ـ بعد فوات الأوان ـ أنَّ من قادوه إلى الهاوية لم يكونوا أوفياء لدينٍ، ولا أوصياء على حرية، ولا حراسًا لحق، وإنما كانوا يتخذون من هذه الشعارات أقنعةً تخفي وراءها
مطامع السياسة، وشهوة النفوذ، وحسابات المصالح.
وقد أحسن أمير الشعراء أحمد شوقي تصوير هذا المعنى تصويرًا خالدًا، حين قال:
بَرَزَ الثَّعلَبُ يَوْمًا في شِعارِ الواعِظينا
فَمَشى في الأَرضِ يَهذي وَيَسُبُّ الماكِرينا
وَيَقولُ: الحَمدُ لِلَّهِ إِلَهِ العالَمينا
يا عِبادَ اللَّهِ توبوا فَهُوَ كَهفُ التائِبينا
وَاِزهَدوا في الطَيرِ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الزاهِدينا
وَاطلُبوا الديكَ يُؤَذِّن لِصَلاةِ الصُبحِ فينا
فَأَتى الديكَ رَسولٌ مِن إِمامِ الناسِكينا
عَرَضَ الأَمرَ عَلَيهِ وَهُوَ يَرجو أَن يَلينا
فَأَجابَ الديكُ عُذرًا: يا أَضَلَّ المُهتَدينا
بَلِّغِ الثَعلَبَ عَنّي عَن جُدودي الصالِحينا
عَن ذَوي التيجانِ مِمَّن دَخَلَ البَطنَ اللَعينا
أَنَّهُم قالوا، وَخَيرُ القَولِ قَولُ العارِفينا:
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَومًا أَنَّ لِلثَعلَبِ دِينًا.
فيا أيها المواطن، لا تنخدع بالمظاهر، ولا تغترَّ
بمن يتخذ من الدين ثوبًا، ومن الموعظة لسانًا، ومن الشعارات ستارًا، فإنَّ الحق لا يُعرف بكثرة الصياح، ولا بوفرة الادعاء، وإنما يُعرف بصدق العمل، وطهارة المقصد، وحفظ الأوطان، وصيانة الدماء، وتعظيم حرمة الإنسان.
نسأل الله، سبحانه وتعالى، أن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يردَّ عنها كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وأن يديم عليها نعمة الأمن والإيمان، وأن يحفظ جيشها وشعبها، وأن يجعل مستقبلها عامرًا بالاستقرار والعزة والرخاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اقرأ أيضاً
ما قبل ثورة يوليو.. كيف تآكلت شرعية النظام الملكي؟لكى يعود لبنان













0 تعليق