كأسٌ تحت الطلب.. حين سقطت الفيفا وانتصرت مصر

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كأسٌ تحت الطلب.. حين سقطت الفيفا وانتصرت مصر, اليوم الجمعة 10 يوليو 2026 01:50 مساءً

في كأسٍ يُفترض أنه للعالم، بدا العالم نفسه خارج معادلة العدالة، لم يكن الجميع واقفاً على الخط ذاته، ولا كانت الصافرة تنظر إلى أصحاب الحلم وأصحاب النفوذ بالعين نفسها، فرقٌ تُحاسَب على أنفاسها، وأخرى تُمنح هامشاً واسعاً من الغفران.

قرارٌ يُستدعى حين يخدم مساراً بعينه، وصمتٌ ينزل ثقيلاً حين يكون الحق في الجهة الأخرى، هناك، لم تعد كرة القدم لعبةً تُدار بالقانون، بل مشهداً مرتبكاً تُدار فيه العدالة بانتقائية، وتُقاس فيه الأخطاء لا بحجمها، بل بموقع صاحبها من خريطة النفوذ.

في تلك الليلة، لم يسقط منتخب، الذي سقط هو القناع الذي ظل العالم يعلّقه طويلاً على وجه كرة القدم. سقط الوهم بأن المستطيل الأخضر منطقة محايدة، وأن الجهد وحده يكفي لصناعة المصير، وأن الفيفا تقف فوق الأهواء كحارسٍ نزيهٍ لمعنى اللعبة، ما ظهر خلف الشعار اللامع لم يكن مؤسسةً رياضية بريئة، بل عقلاً مؤسسياً لادغاً، يحسب الربح قبل العدالة، ويوازن بين أحلام الشعوب ومصالح النجوم.

لم تكن مصر أمام الأرجنتين وحدها، بل أمام اختلالٍ أعمق من نتيجة وأوسع من صافرة، كانت أمام عدالةٍ تُدار بانتقاء، وغرفةٍ ترى بعينٍ واحدة، ومنظومةٍ تحترف تحويل الانحياز إلى إجراء، والإجحاف إلى تفسير فني، والظلم إلى نصٍّ مسموم في تقرير رسمي، حين تميل الصافرة، لا تسقط نتيجة فقط، يسقط معها الإيمان بأن الملعب قادرٌ وحده على إنصاف من يستحق.

أما الفيفا، فليست أمام غضب جماهيري، بل أمام اهتزازٍ في شرعيتها الأخلاقية، فالمؤسسة التي يعجز الناس عن تصديق عدالتها، لا تنقذها الكؤوس ولا الشعارات. وحين يصبح السؤال عن نزاهة البطولة أكبر من السؤال عن بطلها، تكون كرة القدم قد دخلت منطقة الخطر.

ثم جاءت الأقاويل عن مليارات المراهنات، وعن حساسية مشهد العلم الفلسطيني، لا لتثبت شيئاً بذاتها، بل لتكشف ما هو أخطر: أن الثقة قد انكسرت. وحين تنكسر الثقة، يصبح الصمت اتهاماً، والتبرير ضعفاً، وكل قرار موضع ريبة. فالمؤسسات لا تنهار حين يكرهها خصومها، بل حين يعجز الناس عن تصديقها.

لقد خرجت مصر من البطولة، لكن فلسطين التي حملها حسام حسن في قلبه، ورفعها على صدره، لم تخرج من المشهد.بقيت في قلوب الملايين، أعلى من الأهداف الملغاة، وأبقى من الصافرات المرتبكة، وأقوى من القرارات الثقيلة.

فلسطين ليست عبئاً على مصر، ولا ورقةً طارئة على وجدانها، بل امتدادٌ عميق لضميرها العربي والإنساني. وإن كان علم فلسطين قد أزعج أحداً، فالمشكلة ليست في العلم، بل في عالمٍ يخاف من قطعة قماش لأنها تذكّره بشعبٍ موجوع، وبحقٍ لا يموت، وبحقيقةٍ لا تستطيع المنظومات أن تلغيها كما تُلغي هدفاً على شاشة باردة.

وما يزيد المشهد قتامة أن السياسة لم تعد تقف خارج أسوار الفيفا، بل صارت تلوّح بظلها داخلها. وحين يثار الجدل حول بطاقة حمراء للاعب أميركي، ثم يُقال إن اتصالاً مباشراً من البيت الأبيض أسهم في تخفيف العقوبة أو رفع أثرها، لا يعود السؤال ضرباً من التهويل، بل يصبح سؤالاً مشروعاً عن استقلال القرار داخل أكبر مؤسسة كروية في العالم: هل تحكم الفيفا بلوائحها، أم أن الهاتف السياسي صار يطرق أبوابها ويفرض ظله على قراراتها؟

لم نرَ للأرجنتين وجوداً حقيقياً على ذلك الملعب، سوى أسماءٍ تُنادى، وأجسادٍ تتراجع، ووجوهٍ بدت وكأنها بكت قبل صافرة النهاية. أما مصر، فكانت هناك بكل ما تعنيه الكلمة: لاعبون صنعوا من أرواحهم طوفاناً، وحارسٌ جعل مرماه كالسد العالي، يصد ركلات الجزاء وكأنها أمواجٌ تتكسر على صخرٍ لا يلين.

لقد رأينا ما حاولت النتيجة الرسمية أن تخفيه: فريقاً تُمحى هالته على أرض الملعب، لا بهزيمةٍ رقمية، بل بانتصارٍ معنوي لا تمنحه الكاميرات ولا تقره الصافرات. عبورهم لم يكن انتصاراً رياضياً نقياً، بل عبوراً مثقلاً بسرقةٍ ترتدي حلّة قانونية، وغشٍّ يتخفى في صوت الصافرة، وخداعٍ يلبس ثوب العدالة. كانوا أبطالاً في الإعلانات، مرتبكين في الملعب، فانتصر الاسم وسقطت الهيبة.

نعم، سيكتب الأرشيف أن الأرجنتين فازت، فالأرشيف لعبة الأرقام والنتائج، لكن الملعب كشف من يملك الروح والقوة، ومن يحتاج إلى المال والمنظومة كي يحافظ على اسمٍ أكبر من حقيقته.

هناك، سقطت الأقنعة، وانكشفت الحقائق، وتبيّن للجميع أن الانتصار الحقيقي ليس في رفع الكأس، بل في رفع الرأس، ومصر، التي رفعت رأسها عالياً، خرجت فائزة بأغلى ما تملك: كرامة لا تُباع، وإرادة لا تُكسر، وشعبٌ يعرف كيف يحوّل الهزيمة إلى نصر، والألم إلى مجد، وفلسطين في القلب، والعرب جميعهم في الصف، والروح العربية التي لا تموت في العروق، وفي تلك الليلة، سقطت الفيفا للأبد، وبقيت مصر وفلسطين والعروبة شامخةً فوق كل الانهيارات، لأنها ليست كؤوساً تُمنح، بل قيمٌ تعيش في الضمير، وترفع الرؤوس حين تخفض الصافرات.

اقرأ أيضاً
حسام حسن: تكفينا فرحة الشعب المصري.. والأهم ما هو قادم مع منتخب مصر

مشهد وطني مهيب.. الطائرات تزين سماء العلمين بعلم مصر خلال استقبال بعثة المنتخب

زحف جماهيري من الإسكندرية إلى العلمين لاستقبال أبطال «الفراعنة"

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق